الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
218
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
2 بحث هناك بحث بين المفسرين في أنه كيف كان تجاوب الجبال والطير مع داود ؟ وما المراد من قوله تعالى : وسخرنا مع داود الجبال يسبحن ؟ ! 1 - فاحتمل أحيانا أن هذا كان صوت داود الرخيم المؤثر الجذاب ، والذي كان ينعكس في الجبال ، وكان يجذب الطيور إليه . 2 - وقالوا حينا آخر : إن هذا التسبيح كان تسبيحا مقترنا بالإدراك والشعور الموجود في باطن ذرات العالم ، لأن كل موجودات العالم لها نوع من العقل والشعور حسب هذه النظرية ، وعندما كانت تسمع صوت داود في وقت المناجاة والتسبيح كانت تردد معه ، وتمتزج بهمهمة تسبيح منها . 3 - وقال البعض : إن المراد هو التسبيح التكويني الذي يوجد في موجودات العالم بلسان حالها ، لأن لكل موجود نظاما دقيقا جدا . وهذا النظام الدقيق يحكي عن طهارة ونزاهة الله ، وعن أن له صفات كمال ، وبناء على هذا فإن نظام عالم الوجود العجيب في كل زاوية منه تسبيح وحمد ، ف " التسبيح " هو التنزيه عن النقائص ، و " الحمد " هو الثناء على صفات الكمال ( 1 ) . فإن قيل : إن التسبيح التكويني لا يختص بالجبال والطيور ، ولا بداود ، بل أن نغمة هذا التسبيح تنبعث من كل الأرجاء والموجودات على الدوام . قالوا في الجواب : صحيح إن هذا التسبيح عام ، ولكن لا يدركه الجميع ، فقد كانت روح داود العظيمة في هذه الحالة منسجمة مع باطن وداخل عالم الوجود ، وكان يحسن جيدا أن الجبال والطير يسبحن معه . وليس لدينا دليل قاطع على أي من هذه التفاسير ، وما نفهمه من ظاهر الآية هو أن الجبال والطير كانت تردد وتتجاوب مع داود ، وكانت تسبح الله ، وفي الوقت
--> 1 - لمزيد الإيضاح راجع تفسير الآية ( 44 ) من سورة الإسراء .